لعله خير … قصة شاب أمريكي عشق ليبيا 

التشرذم و التشتت الذي عانى ولا يزال يُعاني منه العديد من أبناء الوطن في ليبيا  جراء الحرب القذرة التي تمارس الان داخل ليبيا ليست شراً بالكامل فلعل الله قد كتب لكل واحد منا خيراً في مكان لا نصل إليه إلا بحرب تجعلنا نترك بيوتنا لنهبط في أماكن كتب الله لنا فيها خيراً كثيرا .. لعله يكون زيادة في الدين أو زيادة في الرزق أو زيادة في الحكمة أو زيادة في العلم أو زيادة في اي شيء ينفعك و ينفع من حولك و لم تكن لتنال الزيادة لولا التهجير و التشتت و الحروب .

ذات يوم كنت قد نشرت تدوينه تاريخية لي بالصور تضمنت أحداث حقيقة و قصص لأمريكان كانوا قد نشئوا في قاعدة ويلس الجوية بطرابلس  و التي نعرفها الأن بقاعدة معيتيقة الجوية و التي تم تأميمها بعد إخراج القاعدة الجوية الامريكية منها ، من نشئوا في القاعدة فترة من الزمن قد ألفوا تراب ليبيا و أجواء ليبيا و وجدتهم يتغنون بالحنين للماضي في مدوناتهم و بعض من كتبهم .

لقراءة التدوينة القديمة بالكامل أنقر هنا Wheelus Air Base

بعد نشر التدوينة تواصل معي شخص امريكي كان ضمن القاعدة الجوية في تلك الفترة و هو لايزال يحن بشغف كبير للتراب الليبي و يحن لرؤية سوق الجمعة و الظهرة و طريق الشط و الغزالة و السرايا الحمراء فكل تلك التسميات لازالت بباله حتى اليوم ، مايكل وهو المعني بقصتنا هذه يقطن الان في مدينة نورمان بولاية أوكلاهوما أخبرني انه كان ضمن الاشخاص الذين شهدوا التغير السياسي في العام 1969 و شهد اللحظات الاخيرة لإنزال العلم الأمريكي في العام 1970 .

يروي لي مايكل أنه قد اختير للذهاب إلى ليبيا مطلع شهر أبريل من العام 1969 بعد ان تم تجنيده في التجنيد الإجباري لمن هم فوق الـ18 سنة ، و سافر بالفعل و حط رحاله في ليبيا و تحديداً في قاعدة ويلس الجوية الامريكية في شهر مايو 1969 و هي أكبر قاعدة جوية امريكية خارج الولايات المتحدة الأمريكية ، وكان قبل أن يصل ليبيا يفكر مليا كيف سيقضي أيامه في منطقة صحراوية غريبة عنه فهو لا يعرف عن ليبيا إلا انها صحراء شاسعة و هو الفتى الذي رام معيشة أمريكا  و رام صخب أمريكا  ! .

وصل مايكل إلى ليبيا و هو آسف ان القدر قد قدف به هنا فيما كان نصيب بعض رفاقه في القاعدة الجوية الألمانية و لكن و ما هي إلا  أيام حتى  أكتشف قاعدته و المنطقة المحيطة به و باتت الرؤية عن ليبيا تتغير تدريجياً مع كل نزهة يقضيها خارج القاعدة ، و  تم تنبيههم إلى عدم الخروج كثيراً لخارج القاعدة و في حال الخروج للتنزه أو ما إلى ذلك يجب التقيد بعدم الدخول للمقابر و المساجد الخاصة بالمسلمين لدواعي دينية و امنية .

603539_3887546061477_522854080_n3

الباب الرئيسي لقاعدة ويلس الجوية

مايكل يبدو ان الله أراد به خيراً أو ان الله قد جلبه لليبيا لغرض واحد فقط غرض سيغير مجرى حياته بالكامل ، مثله في ذلك مثل سانتياغو في الرواية الشهيرة الخيميائي . مايكل يصف نفسه بالمُحب للمغامرة ولديه روح الاستكشاف لذلك  لم يلتزم حرفياً بالتعليمات التي تفيد بعد الخروج كثيرا خارج القاعدة العسكرية !! . 

منطقة سوق الجُمعة كانت جهة الباب الشرقي للقاعدة الجوية ويلس و منها كان مايكل يدخل حي سوق الجمعة و يرى فيه عالم جديد كلياً عنه و أشخاص جدد و ثقافة جديدة و لغة جديدة و الأهم أنه يمر يومياً بجنب المسجد الذي تم إخباره بألا يدخله احتراما للعادات الدينية للشعب الليبي المسلم ، روح الاستكشاف أو إرادة الله جعلت مايكل يحاول أن يتبادل اطراف الحديث مع أحد الرجال حول المسجد بالتحديد عن معنى الكلمات التي يسمعها دائما و التي يرددها شخص من فوق المسجد ! و كان يقصد الأذان .

heast gate

الجهة الشرقية للقاعدة و المؤدية لمنطقة سوق الجُمعة بطرابلس

مرت الأيام وكان مايكل يستمع بشغف للشيخ العجوز المسؤول عن المسجد تارة و عن الدين و تارة عن وضع المسلمين و الإسلام تارة أخرى  و المشكلة التي كانت تؤرق الموضوع هو حاجز اللغة فمايكل كان يعرف القليل جدا عن العربية و العجوز كان ملم بعض الشيء ببعض الإنجليزية التي كان بها يستطيع ان يوصل بعض مفاهيم الإسلام لمايكل إلا أنه لم يكن إلمام كبير و سليم . 

جاء يوم 1 سبتمبر 1969 و كان يوم الاثنين و هو يوم عطلة العمال و أيضا يوم عطلة رسمي في القاعدة  و سمع مايكل حركة غريبة في القاعدة و حولها ! ،  و من خلال الراديو علم أن هناك تحرك سياسي ضد نظام الحكم و أدرك أن الأمور لن تبقى على ما هي عليه الأن ، و هو ما حدث فعلا فقد تم إصدار اوامر لمايكل و كل قاطني القاعدة بالتجهيز الفوري لترحيل الكثير من المدنيين بالقاعدة و من ثم العمل على تجهيز كامل المعدات لمغادرة القاعدة إثر أتفاق مع النظام الجديد في ليبيا بضرورة المغادرة في 11 يونيو 1970 .

wheelus03

طائرة الشحن لسلاح الجو الأمريكي تقوم بتحميل الطائرات الحربية لنقلها للقاعدة الجوية الأمريكية بألمانيا 1970 ، تجهيزاً لإخلاء القاعدة بالكامل .

مايكل الان أمام خيار صعب فهو سيغادر الأرض التي ألفها و تعرف على الكثير من اهلها و سيغادر و هو لازال في اشتياق لأحاديث الشيخ بالمسجد بسوق الجمعة !!

يروي لي مايكل أنه و رغم أنهم زادوا ساعات العمل للتجهيز للرحيل حتى وصلت احيانا 16 ساعة إلا انه وجد بعض الوقت للذهاب للشيخ و كان معه بعض الرجال الأخرين بالمسجد و أخبرهم أن سيغادر ليبيا إلى القاعدة الجوية الأمريكية بألمانيا  فما كان من الشيخ الذي كان يحاوره دائما إلا ان عرض عليه  الدخول للإسلام بشكل دائم و هو الذي كان بالفعل ، فقد نطق مايكل بالشهادتين في المسجد و تم إخباره عن أهم الأمور الاساسية في الإسلام على أن يكمل بنفسه البحث عن بواقي الدين و كل ما يلزم المسلم ليكون مسلماً كاملا . نصحه الأخوة في المسجد بسوق الجمعة باختيار اسم جديد لنفسه فاختار عبدالله محمد بدل مايكل نيميك و من ثم أتجه للرحيل صوب القاعدة الجوية بألمانيا .

لم يكن التغيير الذي أحدثه عبدالله حول شخصيته سيمر مرور الكرام من الدائرة المحيطة به فعائلته التي تدين بالمذهب البروتستانتي في النصرانية كانت اول من نصب العداء لعبدالله بشكل علني بل ان امه رفضت السلام عليه مالم يغير ديانته و اتهمته ان الشعب الليبي قام بغسيل دماغ قوي له وانه غير طبيعي و كذلك كان زملاء دراسته بدورهم لم يخفوا عدائهم له و تمنيهم بعودته للنصرانية ، و لازال بعضهم حتى اليوم يرفض الحديث معه بسبب تغيير ديانته ، وزاد الامر بإعلانه تغيير اسمه رسمياً ليصبح في نظر الكثير من رفاقه إنسان مفقود ! .

يروي عبدالله أنه بعد حرب الخليج الأولى قد زادت الحساسية تجاهه بسبب طبيعة عمله في القوات الجوية و ديانته التي تحتم بالطبع تعاطف مع المسلمين ، و قلل بالفعل من نشاطه مع المسجد بالحي ، و يروي لي أن الفكرة السائدة عن الإسلام في أوكلاهوما تحديداً ، غريبة جدا و منافية للواقع  وذلك بفعل الإعلام الذي يتم تسيسه من اليهود الموجودين بأمريكا ، و لكن رغم كل تلك التحديات لازال عبدالله محمد محافظا على ديانته رغم ان عائلته متشبثة بالنصرانية .

عبدالله محمد جاء إلى ليبيا و عمره 19 عاماً فقط و أمضى فيها أقل سنة نصفها في راحة نسبياً و نصفها في توجس امني جراء التغيير السياسي و لكن رغم تلك الظروف إلا انه قد وجد ضالته و وجد كنزاً لا زال يشكر الليبيين عليه حتى اليوم ألا وهو دخوله للإسلام ، فهو لم يكن يدري وهو ويغادر أوكلاهوما في 1969 متجها لليبيا أنه يتجه لخير لم يشأ الله أن يكون إلا في ليبيا  .

عبدالله اليوم متقاعد و يعيش في نورمان و يحاول جاهدا مواكبة الأخبار في ليبيا و تصفح المواقع التي تتحدث عن ليبيا كي تسنح له فرصة رؤية زاوية هنا  أو منظر هناك يذكره بالأيام التي شهدت التغيير  الكبير في حياته .

هناك بعض الأمور الحوادث التي يرويها عبدالله مُفضلا أن تكون خاصة ولا يتم نشرها احترما لبلده الام و احتراما للجيش الأمريكي الذي كان يخدم به ، و يأمل من  الله أن يوفقه لأن يموت وهو على الدين الإسلامي .

كتبه :- صلاح الدين البُطي

You are not authorized to see this part
Please, insert a valid App IDotherwise your plugin won't work.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.